|
متى يدخل الاقتصاد العالمي دوامة الركود بسبب أسعار النفط؟
17 مايو 2005
تهيمن على جميع الأطراف المعنية بأسواق النفط مخاوف من أن تؤدي
الارتفاعات العالية في الأسعار إلى انزلاق الاقتصاد العالمي في
دوامة الركود، وهو ما يجعلها أكثر حساسية إزاء التطورات في
الأسعار، ويغذى هذه المخاوف ما وقر في ذهن هذه الأطراف من
خبرات مريرة مرت بها خلال أزمات ركود الاقتصاد العالمي في عقدي
السبعينات والثمانينات.
لكن يظل السؤال الذي يشغل المتعاملين في أسواق النفط وهو تحديد
مستوى السعر الذي ينزلق عنده الاقتصاد العالمي في دوامة
الركود، بيد أن الأطراف الرسمية المعنية بالسوق تلتزم حالة من
الصمت في تقديم تقديراتها، وهو يجعل الأفق مفتوحا للمحللين لأن
يستشرفوا بأنفسهم آفاق السوق، وتكمن المشكلة في أن هذه
التقديرات لا تتباين من محلل لآخر فحسب، بل تختلف تقديرات
المحلل ذاته من وقت لآخر وفقا للتغييرات في الأسواق.
وفى الواقع تتوالى إشارات الأطراف الرسمية المعنية بالسوق
والاقتصاد العالمي التي تدق ناقوس الخطر من أن يؤدى الارتفاع
في الأسعار إلى إصابة الاقتصاد العالمي بالركود، لكن لم تحدد
هذه الإشارات التحذيرية ماهر مستوى سعر النفط الذي يعرض
الاقتصاد العالمي لخطر الركود.
إشارات الخطر
يدخل في سياق تلك الإشارات التحذيرية، ما جاء على لسان آلان
جرينسبان رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في الكلمة التي
ألقاها يوم الثلاثاء الماضي، حيث قال بأنه من الممكن أن تؤدي
أسعار النفط المرتفعة إلى تخفيف الطلب على الطاقة وتعزيز
مستويات الإمداد، ولكنه لم يوضح بالضبط تأثير أسعار النفط
الحالية على معدلي التضخم والنمو الاقتصادي خلال العام الجاري.
حيث أنه من الممكن أن يؤدى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى خفض إنفاق
المستهلك وتراجع معدل النمو الاقتصادي، ومن الطبيعي أن يرغب
بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في رؤية وضع كهذا، إذا ما كان
يهدف إلى الحفاظ على معدلات فائدة منخفضة، ولكن بإمكان تكاليف
الطاقة المرتفعة أن تحفز على رفع معدل التضخم، ومن ثم تؤدي إلى
رفع معدلات الفائدة، ويثير مثل هذا الوضع قلق بنك الاحتياط
الفيدرالي الأميركي والذي عبر عنه في الشهر الماضي،وذلك للمرة
الأولى على مدى أربع سنوات.
ومثلما عبر بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي عن قلقه، جاء
التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي ليمثل تحذيرا آخر من
ارتفاع مستويات الأسعار، وهو ما ورد في متن التقرير المعنون
تحت أسم «آفاق الاقتصاد العالمي» والصادر في الأسبوع الماضي،إذ
حذر من أن استمرار الأسعار المرتفعة والمتذبذبة يشكل خطرا
حقيقيا وجادا على الاقتصاد العالمي، وتنبأ بأن ينمو الطلب
العالمي بقوة من المستوى الحالي البالغ 82 مليون برميل إلى 140
مليون برميل بحلول عام 2030.
مشيرا إلى أن تغذية النمو في الطلب العالمي ستأتي أساسا من
تحسن المستويات المعيشية في الدول النامية، وارتفاع مستوى دخل
الفرد في الصين التي ستسهم الصين بثلاثة أرباع الزيادة
المتوقعة في الطلب العالمي على النفط. ولكن وعلى غرار بنك
الاحتياط الفيدرالي الأميركي، لم يأت التقرير على ذكر مستوى
سعر النفط الذي يفضى إلى ركود الاقتصاد العالمي.
وينطبق الوضع ذاته على دول منظمة أوبك التي يؤيد القسم الغالب
منها رفع مستويات الإنتاج لتهدئة الأسعار ولتجنيب الاقتصاد
العالمي مخاطر الركود، ولعل هذه الفرضية هي التي دفعت المملكة
العربية السعودية اكبر مصدر للنفط في العالم إلى الإعلان عن
استعدادها لضخ النفط بأقصى طاقة ممكنة لتلبية احتياجات الطلب
العالمي.
وتشير التقديرات بأنه بإمكان المملكة السعودية إنتاج 11 مليون
برميل نفط يوميا، وقد أنتجت في الشهر الماضي 5. 9 ملايين برميل
يوميا لتلبية طلبات المستهلكين، وهو ما يزيد عن مستوي إنتاج
الشهر السابق عليه والذي بلغ 2. 9 ملايين برميل يوميا.
ولعل المنطق الذي يدفع الاطراف الرسمية المعنية بأسواق النفط
إلى عدم الإعلان عن تقديراتها لمستويات الأسعار التي تشكل خطرا
على الاقتصاد العالمي، يكمن في أن إعلانات من هذا القبيل قد
تعطي الانطباع بوجود تدخل رسمي في توجيه الأسعار التي من
المفترض أن يتم تحديدها استنادا إلى أساسيات السوق القائمة على
قوى الطلب والعرض.
وهكذا ينشط المحللون والمؤسسات المالية وشركات التقييم في
تقديم التحليلات والتنبؤات بأسعار النفط، ولكن تتبدل تقييمات
تلك الإطراف من وقت لآخر، وهو ما رصدته «صحيفة وول ستريت
جورنال» التي قارنت بين نتائج استطلاعين للرأي، أجرت إحداهما
في أغسطس 2004 والآخر في إبريل الجاري، ومن أبرز النتائج التي
خلصت اليها من واقع المقارنة هو تبدل تقييمات المحللين
والاقتصاديين.
حيث توقع ثلث الاقتصاديين الذين استطلعت آراؤهم في استطلاع
أغسطس الماضي أن الركود سينشأ أذا ما تراوح سعر برميل النفط ما
بين 50 و 59 دولارا، وهو لضبط مستوى أسعار العقود الآجلة على
النفط منذ فبراير الماضي، ولكن لم يدخل الاقتصاد في مرحلة
الركود.
وفى استطلاع إبريل الجاري، تبين أن الاقتصاديين قد غيروا
رأيهم، حيث لم يعد أي منهم يرى أن بلوغ سعر النفط 50 دولارا
للبرميل سيفضى إلى إصابة الاقتصاد بالركود، بل على العكس،بات
حوالي ثلث المستطلع آراؤهم يقدرون بأنه لن تتوقف عجلة النمو
الاقتصادي، إذا ما بلغ السعر مستوى يتراوح بين 80 و 90 دولارا
للبرميل، كما أجاب 48 % منهم بأنه يجب أن يصل السعر إلى 90
دولارا للبرميل.
وعلى الرغم من الارتفاعات الحالية للأسعار، إلا أن الاقتصاديين
استبعدوا وصول الأسعار إلى مستويات تعرض الاقتصاد العالمي
للخطر، وتوقعوا بأن يكون متوسط الأسعار خلال العام الجاري
حوالي 46. 47 دولاراً للبرميل.
وعزا جون لونسكى المحلل في مؤسسة موديز أسباب التبدل في
التوقعات إلى أن الاقتصاديين مثلهم مثل الآخرين يحاولون بشق
الأنفس فهم الكيفية التي بها يؤثر سعر النفط على الاقتصاد،
ويعتبر لونسكى واحدا من هؤلاء الذين شملهم استطلاع أغسطس
الماضي.
حيث أجاب في حينها بأن نطاقا سعريا يتراوح بين 50 و59 دولار
للبرميل سيحفز على الركود، ولكنه يعتقد الآن بأنه من الممكن أن
يتباطأ النمو الاقتصادي إذا ما ارتفعت الأسعار نحو مستوى يزيد
على 80 دولارا للبرميل.
وعلل تضاؤل تأثير أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي بوجود قدر
عال من السيولة في الاقتصاد الأميركي والناتجة عن السياسات
النقدية التي يتبعها بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي التي
تتسم بسمة التأقلم، فعلي الرغم من ارتفاع معدلات الفائدة خلال
الشهور العشرة الماضية، إلا أن تكلفة الإقراض بالنسبة
للمستهلكين والمستثمرين مازالت منخفضة نسبيا بالمقارنة.
|