|
مستقبل اتفاقية التجارة الحرة الخليجية – الأوروبية
17 مايو 2005
أخفق الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي على مدى حوالي
العقدين في التوصل لاقامة منطقة للتجارة الحرة بين المجموعتين
الاقتصاديتين، فمنذ عام 1988 والمشاورات بين الطرفين تواجهها
عوائق اقتصادية وسياسية لإبرام اتفاق لخلق منطقة تجارة حرة
تسمح بتبادل السلع والخدمات دون رسوم جمركية بين دول
المجموعتين.
ورغم ان اجتماع المنامة في الأسبوع الماضي وضع نهاية عام 2005
كتاريخ محتمل لتوقيع الاتفاق، إلا ان هناك شكوى كبيرة حول
احتمالية تحقيق الاتفاق، ويعود ذلك لجملة من العوائق.إن أهم
اسباب احتمالية فشل التوصل لاتفاق هو تشدد الجانب الاوروبي في
فرض شروطه، فخلال التسعينات من القرن المنصرم كان الاتحاد
الاوروبي يشترط اقامة اتحاد جمركي.
بين دول مجلس التعاون لتوحيد الرسوم الجمركية على السلع
الواردة لدول الخليج من الدول الاخرى غير الخليجية. وما ان أتم
الخليجيون تلك المرحلة في يناير 2003 بالبدء بتنفيذ الاتحاد
الجمركي، حتى طرح الاتحاد الاوروبي شروطاً سياسية تطالب الدول
الخليجية بالالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الانسان، وكان
تبرير الاوروبيين لهذا الشرط هو القول بمبدأ شمولية حقوق
الانسان.
ويبدو ان النجاح الذي حققه الاوروبيون في فرض شروط احترام حقوق
الانسان على الدول العربية في حوض البحر الابيض المتوسط كجزء
من شروط الانضمام لاتفاقية الشراكة الاوروبية - المتوسطية،
دفعهم لمحاولة فرض شروط احترام المعايير الدولية لحقوق الانسان
في الدول الخليجية.
ولقد اختلف الطرفان الخليجي والأوروبي على هذا الشرط ومازال
الاختلاف قائماً. ولا نتوقع حدوث تحول كبير في الموقف الخليجي
حيال موضوع حقوق الانسان، لكون الدول الخليجية تؤكد انها تحترم
المباديء العامة لحقوق الانسان، ولكنها لا يمكن ان تطبق
التفصيلات الجزئية المطبقة في الدول الغربية لعدم ملاءمتها
للأوضاع الاجتماعية والسياسية لمنطقة الخليج.
أما المعضلة الثانية التي ستعيق أي تقدم لتوقيع اتفاقية
التجارة الحرة الخليجية ـ الأوروبية فهي موقف الاتحاد الأوروبي
من الصادرات البتروكيماوية الخليجية. حيث يرى الاتحاد الاوروبي
ان الصناعات البتروكيماوية الخليجية تستفيد من ازدواجية أسعار
الغاز الطبيعي.
حيث يسمح قرب الصناعات البتروكيماوية الخليجية من حقول انتاج
الغاز الطبيعي المصاحب وغير المصاحب باستغلاله بأسعار منخفضة
مقارنة بالأسعار العالمية التي تضاف اليها تكاليف التسييل
والنقل وغيرها.ولذا يرفض الاتحاد الأوروبي السماح لمنتوجات
الصناعات البتروكيماوية الخليجية من الدخول دون رسوم جمركية.
بل انه يفرض عليها رسوماً جمركية تميزية مرتفعة منذ عام 1984
تصل الى حوالي 3%.
في حين تعفى بعض هذه المنتوجات البتروكيماوية المستوردة من دول
أخرى من الرسوم الجمركية. وتبدو هنا المفارقة الاقتصادية
عجيبة، وذلك انه من مصلحة المستهلك الأوروبي وقطاعات صناعية
أوروبية واسعة استيراد مواد بتروكيماوية خليجية بأسعار منخفضة.
ولكن دور جماعات مصالح الصناعات البتروكيماوية الأوروبية قوي
جداً في الضغط على المفوضية الاوروبية لعدم السماح لصناعات
البتروكيماوية الخليجية من الدخول بدون رسوم لمنافستها
لمثيلاتها الأوروبية سواء من حيث السعر أو الجودة.
بالاضافة الى ذلك يمثل تحرير قطاع الخدمات الجانب الثالث
لصعوبة التوصل لاتفاق لاقامة منطقة تجارة حرة بين المجموعتين.
فالجانب الأوروبي يطالب بتحرير قطاع الخدمات بما يشمله من
قطاعات المال والبنوك والتأمين والاتصالات والنقل والطيران
وغيرها.
ويسعى الاتحاد الاوروبي لدخول الشركات الاوروبية للأسواق
الخليجية والمنافسة فيها في مجال الخدمات، في حين مازالت معظم
دول الخليج تفرض سياسات حمائية لشركات المال والنقل والاتصالات
كشركات وطنية ضد المنافسة الاجنبية. وحقيقة رغم ان انضمام معظم
دول الخليج لمنظمة التجارة العالمية سيقود في النهاية لتحرير
قطاع الخدمات.
وبالتالي السماح للشركات الأجنبية بالدخول، إلا ان الدول
الاوروبية تأمل ان يتم تحرير هذا القطاع بشكل سريع لكي تستغل
التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة مع مجلس التعاون
للنفاذ للأسواق الخليجية، والحصول على نصيب الأسد مقارنة
بالشركات الاجنبية الاخرى سواء الأميركية أو الآسيوية.
وأخيراً تعتبر المعضلة الجديدة المتمثلة في توقيع بعض دول
الخليج لاتفاقية تجارة حرة ثنائية مع الولايات المتحدة سبباً
جديداً لاحتمالية فشل المفاوضات لاقامة منطقة تجارة حرة خليجية
ـ أوروبية، فالاتفاقية الأخيرة التي وقعتها البحرين مع
الولايات المتحدة، والتي يمكن ان تكرر في اتفاقيات مماثلة بين
الولايات المتحدة ودول خليجية اخرى.
فضلاً عن الحديث عن مباحثات لاتفاقية تجارة حرة ثنائية بين
الصين والكويت، جميعها يعترض عليها الاوروبيون، لانها في رأيهم
-
تقوض مفهوم الاتحاد الجمركي الذي شرعت بتنفيذه دول الخليج منذ
بداية عام 2003. حيث ترتب على ذلك الاتحاد الجمركي تحصيل
الرسوم الجمركية بشكل موحد من أي منفذ خليجي، ليتم بعد ذلك
انسياب السلع الاجنبية بين الدول الخليجية دون رسوم بينية، على
ان تتم مقاصة بين الدول الخليجية حول التحصيل الجمركي بحسب
النقطة النهائية للسلع.
وفي تقديرنا ان عدداً من دول الخليج ليس لديها الاستعداد
للتضحية باتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، خاصة مع الولايات
المتحدة، هذا اذا لم توقع جميع الدول الخليجية اتفاقيات ثنائية
مع اميركا في المستقبل.
وذلك لان عدداً من الدول الخليجية لديها مصالح اقتصادية وأمنية
وعسكرية وسياسية اقوى مع الولايات المتحدة، لكون علاقاتها مع
الولايات المتحدة تتجاوز المصالح التجارية الضيقة التي يغلب
على علاقتها مع دول الاتحاد الاوروبي.
ان مجمل تلك الاسباب والمعوقات تدفعنا للاعتقاد بأن أمام
الاوروبيين خيارين: أولهما تقديم تنازلات وتوقيع اتفاق مع
الدول الخليجية، لتكسب بذلك شريكاً تجارياً هو الخامس من حيث
حجم الأسواق المستوردة للمنتوجات الاوروبية، ولتحافظ على حوالي
12 مليار يورو حجم الفائض التجاري من تبادلها التجاري مع دول
الخليج والذي يقدر بحوالي 45% من اجمالي حجم الطاقة للاتحاد
الاوروبي.
أما الخيار الثاني فهو الاستمرار في عملية التفاوض والتأجيل
والتسويف لدرجة ستكتسح الولايات المتحدة الأسواق الخليجية
بصادرات رخيصة «خاصة مع ارتفاع سعر اليورو» لتتراجع حصة
الاوروبيين في الأسواق الخليجية، في الوقت الذي يزداد فيه
اعتمادها على النفط الخليجي.
ختاماً نميل لترجيح الخيار الثاني القائم على استمرار عدم جدية
الأوروبيين في حسم نقاط الخلاف لتفوت بذلك الفرصة الأخيرة
عليهم، وذلك لان الاوروبيين مازالوا يتعاملون مع الآخرين بنزعة
الدول الكبرى المسيطرة.
|