قضايا وتحليل *

الصفحة الرئيسية

 

الارشـيـف


هل تنجح التجارة البينية العربية في غياب الإستراتيجية؟
17 مايو 2005

لعلى أكون قاربت الصواب إلى حد كبير عند القول بأن تاريخ العلاقات العربية العربية يشير إلى أنه لا يمكن أن تقوى أواصر هذه العلاقة إلا بتأمين كامل للاستقلالية السياسية والإحترام المتبادل التام لسيادة كل دولة عربية على أراضيها وعلى قراراتها. ولعلي أستطيع أن أجزم بأن أيسر السبل لترسيخ قواعد العلاقات العربية العربية هو بناء قاعدة اقتصادية قوية بين الدول العربية شعارها تبادل المصالح المشتركة من خلال إستراتيجية اقتصادية طويلة الأمد تهدف إلى تقوية التجارة البينية بينهم ولا أقصد بطول الأمد خمسة أو حتى عشرة أعوام فقط.

إن أحد المؤشرات الإيجابية لهذا المشروع العربي الضخم تجلت في أول يناير (كانون الثاني) 2005 حيث بدأ التطبيق النهائي للوصول إلى مرحلة الصفر جمركيا بالأعضاء السبعة عشر بالسوق العربية المشتركة بإعفاء جميع المنتجات ذات المنشأ في الدول العربية من الرسوم الجمركية عند انتقالها إلى الدول العربية الأخرى. وتشير الإحصاءات الى أن نسبة الزيادة في التجارة البينية للسنوات ما قبل 2003 كانت لا تتعدى 6 في المائة، لكنها ارتفعت عام 2003 مع انخفاض الجمرك إلى 10 في المائة حيث سجل معها صعود في أداء التجارة البينية إلى أكثر من 15 في المائة لترتفع من 40 مليار دولار إلى 46 مليار دولار خلال عام 2004. إن الخطوة الأولى لإنجاز الإستراتيجية الاقتصادية العربية الهادفة إلى تقوية أواصر مشروع التجارة البينية العربية لابد أن تبدأ بحصر اقتصادي وإحصائي شامل لجميع الموارد البشرية والطبيعية والمالية التي تمتلكها جميع الدول العربية وإجراء تحليل اقتصادي متكامل لما يمكن أن تلعبه هذه الموارد الغنية والضخمة لإنجاح هذا المشروع العربي الضخم.

فمعظم الدول العربية لديها الكثير من الموارد الطبيعية المجمدة التي ينقصها الاستثمارات الرأسمالية اللازمة لإذابة الجليد من فوقها وتحويلها إلى سلع وخدمات تجارية مفيدة. كما تمتلك بعض الدول العربية رأس المال الوافر لكن ينقصها الموارد الطبيعية والبشرية لتفعيل هذا الأموال المجمدة إلى استثمارات اقتصادية عربية منتجة.

إن وجود بنك معلومات متكامل يحتوى على معلومات اقتصادية وإحصائية وفيرة عن مختلف القطاعات الاقتصادية للدول العربية سيكون له الأثر الفاعل في تنمية العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية على أسس علمية وتحليلية دقيقة.

الجدير بالذكر أن السعودية ومصر قد أنجزتا خطوات ناجحة في هذا المسار حيث اتفق أعضاء مجلس الأعمال المصري ـ السعودي على إنشاء مكتب دائم في كل من القاهرة والرياض لتقديم الخدمات والتسهيلات لرجال الأعمال في البلدين.

كما اتفق الطرفان على وضع آلية لتبادل البيانات والمعلومات عن قواعد ومناخ الاستثمار والفرص المتاحة في البلدين إضافة إلى إنشاء مركز لرصد فرص التسويق في مختلف المجالات الاستثمارية في البلدين. فالتجارة البينية بين السعودية ومصر في تزايد مستمر فمن عام 2002 إلى عام 2003 قفزت الصادرات السعودية لمصر من 468 مليون دولار إلى 914 مليون دولار بزيادة تقدر بنحو 95 بالمائة أما الواردات المصرية للسعودية فقد ارتفعت من 217 مليون دولار إلى 303 ملايين دولار بزيادة تقد بنحو 40 بالمائة في نفس الفترة.

وربما تكون هذه الخطوة إحدى المراحل الهامة للبدأ في وضع إستراتيجية اقتصادية عربية متكاملة تبنى على دراسة ما تمتلكه كل دولة عربية من موارد بشرية وطبيعية ومالية وما يمكن أن تقدمه هذه الموارد المتنوعة من سلع وخدمات بأقل التكاليف مقارنة بغيرها من الدول العربية لخدمة إستراتيجية التجارة البينية العربية. فالموضوع هنا يجب ان ينظر إليه من منطلق تبادل المصالح المشتركة من داخل أطر المميزات النسبية الاقتصادية المقارنة وليس منطلق المنافسة المطلقة بين الدول العربية. وعلى سبيل المثال يمكن أن ينطلق قطاع البتروكيماويات السعودى لتزويد السوق العربية المشتركة بمنتجاته المختلفة بدون منافسة من دول عربية أخرى لما لهذا القطاع من مميزات نسبية متعددة فنيا وإداريا بجانب ضخامة مخزون وإنتاج الغاز الطبيعى الذي يبلغ نحو 234 ألف مليار قدم مكعب.

من ناحية أخرى يمكن أن ينطلق القطاع الزراعى المصرى العريق بمنتجاته والغني بموارده المائية والخبرات البشرية والفنية بجانب قطاع صناعات المنسوجات القطنية لتزويد السوق العربية المشتركة ببعض المنتجات الزراعية الرئيسة والملابس القطنية والتي تميز هذا القطاع عن غيره بالدول العربية الأخرى فنيا وإداريا بدون منافسة من دول عربية أخرى.

إن المفاوضات الاقتصادية بين الجانبين العربيين السعودي والمصري الجارية بين الرياض والقاهرة منذ عدة أشهر يمكن أن تكون نموذج اقتصادي جيد تقتدي به الدول العربية الأخرى في إطار قيام إستراتيجية اقتصادية عربية لتحقيق السوق العربية المشتركة الكبرى. فقد بدأت في القاهرة منذ فترة الاجتماعات التحضيرية للجنة السعودية - المصرية المشتركة وتبحث اللجنة العلاقات الاقتصادية بين البلدين في إطار اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة وتشجيع وتيسير دخول صادرات كل منهما إلى أسواق البلد الآخر ومتابعة حل الإشكالات والعوائق التي قد تنشأ لانسياب التجارة البينية بين البلدين بما يحقق آمال وطموح الشعبين والعمل على تطوير دور القطاع الخاص في دعم وتنمية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.

أما التجارة البينية بين السعودية ومصر من ناحية والدول العربية الأخرى من ناحية أخرى فلها طموحاتها ففى عام 2003 بلغت الصادرات السعودية للدول العربية 11 بالمائة من إجمالي صادراتها ونفس النسبة للواردات.

أما الصادرات المصرية للدول العربية فقد بلغت أيضا 11 بالمائة من إجمالي الصادرات المصرية بينما الواردات المصرية بلغت 6 بالمائة من إجمالي الواردات المصرية.

 

 

 

 




 






 

 

 


* الآراء المنشورة بالموقع لا تمثل بالضرورة رأى وزارة المالية والإقتصاد الوطنى
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة - وزارة الماليةوالاقتصاد الوطنى
العام 2004 م