|
المدخل لحل إشكالية تمويل التنمية الإقتصادية فى السودان(1)
لواء (م) د. عادل عبد العزيز الفكى
تشير
دراسة هياكل الإقتصاد السودانى وخطط التنمية الإقتصادية فى
السودان من فترة ما قبل الإستقلال مروراً بالأنظمة الوطنية
المختلفة الى أن الإقتصاد السودانى بموارده الواعدة يعانى من
الفجوة ما بين التمويل المطلوب لتفجير الطاقات الكامنة ، وما
هو متوفر من تمويل .
سنحاول فى هذا المقال رسم مخطط إستراتيجى يؤدى فى حال تطبيقه –
مع توافر المناخ السياسي والإجتماعى المناسب – لتوفير التمويل
المناسب ، فى الوقت المناسب ، لتنفيذ مشروعات تنموية تحقق
الهدف الأسمى للتنمية الإقتصادية بإعتبارها نقلة حضارية شاملة
، يرافقها وينتج عنها تغيير جوهرى فى القيم الروحية
والإجتماعية والمادية للإنسان ، تساعده على تفجير طاقاته
الكامنة من أجل حياة أفضل وأكثر تقدماً بهدف إعمار الأرض
لتتيسر عبادته سبحانه وتعالى بأفضل ما يكون (وما خلقت الجن و
الإنس إلا ليعبدون).
إن الإطار العام للمخطط ينبنى على عدد من المبادئ الأساسية ،
تمثل حلقات مترابطة تشكل فى مجملها ما يمثل الطريق لحل إشكالية
التمويل ، وتشمل هذه المبادئ : إتباع التخطيط التأشيرى القائم
على العملية والإحصاء الشفاف ، والمبادرة الإقتصادية وتدخل
الدول المحسوب فى النشاط الإقتصادى عند الضرور ، وزيادة
الطاقات الاستيعابية للاقتصاد وتأهيل البنى التحتية , وحسن
التشريع الاقتصادى ، وإستغلال التجارة الدولية بوصفها محركاً
للتنمية ، وتقوية أوعية الوساطة المالية ، وحل إشكالية الديون
الخارجية ، والشفافية ونشر المعلومات ومحاربة الفساد .
أولاً : التخطيط التأشيرى والإحصاء :-
يقترح ايجاد جهاز مركزى لتوجيه النشاط الاقتصادى والاجتماعى عن
طريق التخطيط التأشيرى ويمكن حصر أهم دواعى ذلك بالاسباب
التالية :-
1.
الحيلولة دون تبذير الموارد الإقتصادية ، ولا سيما (العناصر
المفقودة) نسبياً ، أى العناصر غير المتوفرة بمقدار كافٍ ،
كرؤوس الأموال والخبرة الفنية والإدارية .
2.
الحيلولة دون التوسع فى النشاطات الإقتصادية التى لا يحتاج
اليها البلد ، وذلك بترشيد الإعفاءات الممنوحة تحت قانون
الإستثمار وغيره من القوانين .
3.
التأكيد من عدم التقصير فى تنفيذ بعض المشاريع الضرورية أو
المهمة بالنسبة للتنمية الشاملة ، كالتقصير الذى لازم تنفيذ
طريق الإنقاذ الغربى الذى كان – ضمن أسباب أخرى – من أسباب
حدوث خلل أمنى خطير بولايات دارفور الكبرى .
4.
إبعاد الهزات العنيفة التى قد ترافق عملية التنمية الإقتصادية
، والحيلولة دون الوقوع فى أزمات حادة او إختناقات
Bottlenecks
تعيق عملية التنمية التحتية ، بسبب نقص أو عدم كفاية مستلزمات
التنمية الإقتصادية . مثلما تم فى العام 1992 عندما وجهت
الدولة موارد ضخمة للقطاع الزراعى ونجم عن ذلك إنتاج زراعى
هائل حال ضعف وسائل النقل ومواعين التخزين دون الإستفادة منه .
5.
تسهيل مهمة التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية ،
خصوصاً بعد توقيع إتفاقات السلام ، التى أعطت إستقلالية مالية
شبه كاملة للإقليم الجنوبى ، وإستقلالية كبيرة لجبال النوبة
والنيل الأزرق ومنطقة أبيي ، ومزيد من الحرية الإقتصادية لبقية
ولايات البلاد ، وتأسيس نظامين مصرفيين فى السودان احدهما
تقليدى فى جنوب السودان ، والثانى قائم على أحكام الشريعة
الإسلامية فى شمال السودان .
6.
الحيلولة دون الإفراط فى الإستهلاك ، وبالتالى عرقلة تكوين
تراكمات رؤوس الأموال والعمل على زيادة معدلات (الفائض
الإقتصادى) لتمويل التنمية .
ويعتمد التخطيط المركزى التأشيرى على دقة الدراسات والمسوحات
الإقتصادية والإجتماعية ولذلك يقترح الشروع فوراً فى الإجراءات
التمهيدية للإحصاء السكانى الشامل الذى اتفق على تنفيذه خلال
العام 2005 على أن يترافق معه إحصاء شامل للثروة الحيوانية
وإحصاء زراعى ، وإستكمال تحليل المسح الصناعى الشامل الذى أجرى
عامى 2003/2004 بالتعاون ما بين وزارة الصناعة واليونيدو .
وبما أن المشروعات الإقتصادية التابعة للقطاع الخاص ، ليست تحت
لامراقبة المباشرة لأجهزة الدولة ، فإن الوسيلة الوحيدة لتوجيه
التطور الإقتصادى تحت نظام البرمجة ، او التخطيط التأشيرى ،
تعتمد إعتنماداً كبيراً على التحضير المادى والمعلوماتى
للمشروعات الخاصة . وعند ذلك تتولى الدولة تقديم تشكيلات
مختلفة الوجوه للحوافز الإقتصادية ، لجلب هذه المشروعات من أجل
التعاون مع الخطة .
كما تتولى المؤسسات الإحصائية ومراكز البحوث الإقتصادية جمع
المعلومات الفنية والإحصائية التى تحتاجها المشروعات الإنتاجية
فى الإنتاج والتسويق . لهذا يجب تقوية الجهاز المركزى للإحصاء
وتفعيل المركز القومى للمعلومات وتنزيل مفهوم الحكومة
الإلكترونية لأرض الواقع .
ثانياً : الحكم الرشيد والمبادرة الإقتصادية عند الضرورة
وتفعيل مشاركة القطاع الخاص :-
الدعائم الأساسية للحكم الرشيد تشمل التضامن الإجتماعى ،
والسياسة الحكيمة والإدارة الواعية الرشيدة ، والإيمان بأن
للمواطنين حقوقاً لا تمس ، وواجبات يجب أن تؤدى ، وأن جميع
السكان متساوون فى الحقوق والواجبات، يلتزمون بالنظام ،
ويحترمون القوانين ، وان المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية
وهى ضمانة لها .
إن الحرب الأهلية فى السودان ، من أهم الأسباب التى أدت لإهمال
التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، مما أدى الى تعطيل موارد
البلاد الإقتصادية والإجتماعية وإنخفاض مستوى معيشة سكانها
وهجرة كفاءاتها الفنية ، وهروب رؤوس أموالها الوطنية فالحريات
الديمقراطية ، والمساواة بين الناس والقضاء على الفقر ،
والمساواة بين الجنسين ، يعتبر كل ذلك الضمانة الكبرى لتحقيق
الإستقرار السياسي وخلق البيئة الملائمة للتنمية الإقتصادية
والإجتماعية . ففى دراسة للمؤسسة العربية لضمان الإستثمار حول
اهم شروط إنسياب الإستثمار الأجنبى المباشر لأى بلد من البلدان
جاء الإستقرار السياسي وكفالة حكم القانون فى مقدمة هذه
الشروط.
من جهة أخرى يعترف دارسو إقتصاديات البلدان المتخلفة ، بأن
أوضاعها تختلف كثيراً عن أوضاع البلدان التى تحققت تنميتها فى
القرن الماضي ، لأن بعض عوائق التنمية هى الآن أضخم بكثير مما
كانت عليه فى البلدان التى نسميها اليوم بالبلدان المتقدمة ،
فالتنمية لا يمكن أن تكون اليوم (تلقائية) كما كانت فى ظروف
القرن التاسع عشر ، وبدلاً م نذلك فإن الإعتقاد السائد هو أنه
لا تتوفر القوة ولاسلطة الكافيتان لتحطيم بعض العوائق التى
تعترض سبيل التنمية إلا العمل الحكومى .
ونواصل ،،،
|