قضايا وتحليل *

الصفحة الرئيسية

 

الارشـيـف


النفط في أسبوع:
11 / 10 / 2005

تراقب الصناعة النفطية العالمية بقلق شديد النتائج المترتبة على إعصار ريتا، وهي تعرف جيداً أن المعلومات الدقيقة لن تتوافر قبل أسبوع على الأقل بعد عبور الإعصار ساحل ولايتي تكساس ولويزيانا. كما أن موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي لن ينته إلا بعد تسعة أسابيع. وسجل سعر النفط الأميركي الخفيف عند إغلاق التعاملات مساء الجمعة، معدل 64.19 دولار.

لكن، رغم التساؤلات العديدة، هناك بعض المؤشرات والمعالم الأساسية التي أصبحت واضحة أمامنا الآن، والتي ستواجهنا في الأشهر المقبلة.

لقد تغير مستوى سعر النفط العالمي. ومن الممكن القول الآن، وحتى إشعار آخر، أن سعر النفط الرخيص بمستوى 18 إلى 25 دولاراً قد ولّى. والسؤال الآن ما هي الحدود الدنيا الجديدة لسعر سلة أوبك، 40 أم 50 دولاراً؟ وهذا الأمر يعتمد إلى حد كبير على قرار أعضاء منظمة أوبك ومستوى السعر الذي يريدون الدفاع عنه في حال انخفاض الأسعار مستقبلاً، وكيف يتلاءم هذا مع موازناتهم العامة.

ومن المنطلق نفسه، يطرح السؤال: ما هي الحدود العليا للأسعار؟ وبصيغة أخرى، إلى أي حد ممكن أن يرتفع سعر النفط من دون أن يخلق اضطرابات اقتصادية واجتماعية في مختلف أرجاء العالم؟ فمن الواضح، أن المستهلك يحتاج إلى استعمال وسائل النقل المختلفة للعمل وللمحافظة على مستوى معيشي معين. كما يتوجب على الشعوب في المناطق الباردة استعمال وقود التدفئة من جهة، والشعوب في الدول الحارة استعمال وسائل التبريد. ومن الصعب على الطرفين الاستغناء عن هذه الأنماط من العيش والتي أصبحت ضرورية في الحياة العصرية. ومعنى هذا أن موازنة الفرد ستصرف على المواصلات والتعامل مع درجة الحرارة المنزلية قبل كل شيء. وهذه المصاريف العالية جداً، وبالذات في حال استمرار ارتفاع الأسعار، ستعني أن المستهلك سيستغني عن أمور أخرى ولو كانت ضرورية. وإذا تفاقم هذا الوضع، فقد يؤثر هذا على الاقتصاد العالمي ومن ثم، تدريجاً، على الطلب على النفط.

ومن نافل القول إن استمرار ارتفاع الأسعار سيساعد تدريجاً ولكن بكل تأكيد، على ولوج البدائل بمختلف أنواعها. والمشكلة أنه متى بدأ استعمال هذه البدائل الطاقوية وإنتاجها تجارياً، فمن الصعب إيقافها. وهذا يعني تآكل سوق النفط العالمية.

لكن ما هي احتمالات انخفاض أسعار النفط؟

تدل جميع المؤشرات إلى بقاء أسعار النفط على مستويات عالية. الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يؤدي إلى انخفاض الأسعار هو انكماش الاقتصاد العالمي ومن ثم انخفاض الطلب على النفط. وهذا أمر محتمل في ظل الأسعار العالية للنفط ودمار الأعاصير.

إلا أنه في الوقت نفسه، هناك مؤشرات قوية في السوق تدل على عكس ذلك.

فالدمار الذي خلفه إعصار كاترينا، وما يمكن أن يخلفه إعصار ريتا، يعني أن ميزان العرض والطلب العالمي للمنتجات البترولية سيكون حرجاً وصعباً، وحتى من الممكن أن يخلق أزمة عالمية (اعتماداً على ما سيخلفه إعصار ريتا). ويكفي ما حصل بعد كاترينا من أضرار وعطب في نحو 880 ألف برميل يومياً من مصافي لويزيانا، ناهيك بملايين البراميل من المنتجات البترولية التي ضاعت عن الأسواق نتيجة إغلاق المصافي في لويزيانا وتكساس لأسبوع أو لأسبوعين، وفي وقت هناك شح في هذه المواد بالذات.

وعلى رغم أن وكالة الطاقة الدولية تعاملت بسرعة مع هذه التحديات، فإنها اضطرت إلى السحب من مخزونها الاستراتيجي، وهي مضطرة في القريب العاجل إلى زيادة وارداتها، وإعادة ضخ كميات مماثلة من هذه المنتجات، مما سيزيد الطلب في الفترة المقبلة. ولربما سيؤدي دمار الأعاصير إلى تغيير في القرار الأميركي والأوروبي، وتتم الموافقة على بناء مصاف جديدة في الدول الصناعية. إلا أن هذه عملية طويلة المدى وتأخذ سنوات، وليس أشهراً، ولن نرى مصفاة جديدة يتم إقرارها مبدئياً في السنة المقبلة قبل نهاية العقد في أحسن الأحوال.

وهناك نظم الحكم في عدد من الدول المنتجة، وبالذات تجربة الفيديرالية في العراق ونيجيريا والسودان، والمحاولات لتعويم اتخاذ القرار في خصوص تطوير الثروة الطبيعية وتوزيعها ما بين العاصمة والأقاليم والمحافظات. ومع كل الاحترام للنظام الفيديرالي الذي برهن على نجاحه في العديد من الدول الصناعية، إلا أن مشكلة تفصيله في بعض الدول النامية على أسس أثنية أو عرقية أو دينية أو طائفية أو عشائرية، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التفكيك والعنف وضياع الفرص لتطوير الصناعة النفطية، في الوقت الذي يزيد الطلب على النفط عالمياً. ويعني إضعاف هذه الدول، فتح المجال للدول المجاورة للعبث بأمنها، كما هي الحال مع التدخل الإيراني في العراق، وإحلال الأجندة الايرانية على السياسة النفطية العراقية بكل تعقيداتها السياسية ومصالحها الذاتية.

أخيراً، هناك التحديات التي فرضتها الأعاصير على الساحة الأميركية والصور التي تناقلتها شاشات التلفزة حول مآسي المواطنين في أغنى دولة في العالم. وهذه لها آثارها الاقتصادية. فكلفة الاعمار لن تقل عن 200 بليون دولار، والرئيس جورج بوش، بفلسفته المحافظة، يريد أن يقتطع هذه الأموال من البرامج الاقتصادية والصحية الحالية، وليس من نفقات الحرب في العراق. وسيشعر المواطن الأميركي بهذه التركة في الأشهر المقبلة عندما يتوجب عليه دفع فاتورة التدفئة، في حال بقاء الأسعار على مستواها الحالي.

والسؤال الأساس هنا هو: ماذا ستكون عليه أولويات الإدارة الأميركية في الأشهر المقبلة قبيل انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2006؟ هل سينقذ الرئيس بوش حزبه الجمهوري بالتركيز على الأجندة الداخلية، ومن أين سيأتي بالأموال المطلوبة؟ أم هل سيستمر بصرف نحو ستة بلايين دولار شهرياً في العراق والاستمرار في السياسة الحالية التي تواجه معارضة متزايدة من الرأي العام الأميركي؟

 


  

 




 






 

 

 


* الآراء المنشورة بالموقع لا تمثل بالضرورة رأى وزارة المالية والإقتصاد الوطنى
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة - وزارة الماليةوالاقتصاد الوطنى
2002 - 2005